المقريزي
317
إمتاع الأسماع
ثم بدا لأبي بكر ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، وكان يصلي فيه ، ويقرأ فيه القرآن ، [ فيتقذف ] عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون منه وينظرون إليه . وكان أبو بكر رجلا بكاءا ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك ، على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فانهه ، فإن أقام على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك ، فسله أن يرد ذمتك ، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة أبا بكر [ رضي الله عنه ] فقال : قد علمت الذي عاقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترجع إلى ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر : أني أرد إليك جوارك ، وأرضى بجوار الله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم [ للمسلمين ] ( 1 ) : إن أريت دار هجرتكم ، ذات نخل بين لابتين ، وهما الحرتان ، فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر قبل المدينة ، فقال له صلى الله عليه وسلم : على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر [ رضي الله عنه ] : وهل ترجو ذلك ؟ بأبي أنت ! قال : نعم ، [ فحبس ] أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين [ كانتا ] ( 1 ) عنده ، ورق السمر - وهو الخبط
--> ( 1 ) زيادة للسياق من ( البخاري ) .